يعرض الكاتب محمد أسعد قصة حمّام السمرة الأثري في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة، بوصفه واحدًا من أقدم الحمّامات العامة في فلسطين، إذ يعود تأسيسه إلى نحو تسعمئة عام. يمثّل الحمّام شاهدًا حيًا على تعاقب الحضارات التي مرّت على غزة، من العصور الإسلامية المبكرة مرورًا بالعهد العثماني، وصولًا إلى الزمن الحديث، حيث ظل حاضرًا في الذاكرة الاجتماعية والطقوس الشعبية للسكان.


يوضح ميدل إيست مونيتور أن الحمّام لم يكن مجرد مرفق تقليدي للاستحمام، بل مساحة ثقافية واجتماعية لعبت دورًا مهمًا في حياة الغزيين، قبل أن يتعرّض للقصف خلال الحرب الأخيرة على القطاع، ضمن استهداف طال مواقع تاريخية عديدة.


حمّام السمرة: ذاكرة حجر وبخار

 

يحمل حمّام السمرة قيمة تاريخية ومعمارية استثنائية. بُنيت جدرانه من الرخام والحجارة القديمة، وصُمّمت قاعاته لتوفير درجات مختلفة من الحرارة، بما ينسجم مع تقاليد الحمّامات الشرقية. لم يقتصر دوره على الاستحمام فقط، بل وفّر جلسات تدليك، ومساحات للراحة والسكينة، ما جعله مقصدًا للباحثين عن الاسترخاء والطقوس التقليدية.


ارتبط الحمّام على نحو خاص بمراسم ما قبل الزواج، حيث اعتاد العرسان زيارته ضمن طقوس اجتماعية متوارثة، ما منحه مكانة رمزية في الذاكرة الجماعية. هذا الارتباط بين الحجر والإنسان جعل الحمّام جزءًا من النسيج اليومي للمدينة، وليس مجرد أثر صامت.


يؤكد سالم الوزير، الذي امتلك الحمّام وعمل فيه أكثر من خمسة وخمسين عامًا بعد أن ورثه عن أجداده، أن المكان متجذّر في التاريخ الفلسطيني، وما زال حاضرًا في عادات الناس وزياراتهم، رغم ما مرّ به من إهمال واستهداف.


الاستهداف ومحاولة طمس الذاكرة

 

يتناول التقرير استهداف الحمّام خلال الحرب على غزة، في سياق أوسع من محاولات تدمير المواقع التاريخية والأثرية. يرى القائمون على الحمّام أن هذا الاستهداف لا ينفصل عن سياسة تسعى إلى اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم، عبر محو الشواهد المادية التي تربطهم بتاريخهم وأرضهم.


أدّى القصف إلى أضرار جسيمة في البناء، ما جعل مستقبل الحمّام مهددًا. لكنّ الدمار لم يُنهِ الحكاية، بل أطلق موجة من الجهود المحلية لإحياء المكان. في ظل شحّ الإمكانات وصعوبة الحصول على مواد البناء، برزت مبادرات تعتمد على إعادة استخدام الأحجار الأصلية، حفاظًا على الطابع التاريخي.


إعادة البناء: مقاومة بالتراث

 

تعمل جمعية التراث الفلسطيني في بيت لحم، بالتعاون مع مختصين فلسطينيين في البناء والآثار، على مشروع إعادة إعمار الحمّام. يشمل العمل فرز الحجارة القديمة وترتيبها لإعادة استخدامها، واستصلاح الأسقف الطينية، بهدف إعادة تشييد المبنى بالشكل ذاته الذي كان عليه سابقًا.


يخطط القائمون على المشروع لاستخدام الفخار والمواد التقليدية، حتى يحافظ الحمّام على هويته المعمارية ولا يتحول إلى نسخة حديثة بلا روح. ورغم التحديات الكبيرة، يعوّل الفريق على الخبرات المحلية والإصرار الشعبي لإنجاز المهمة.


تعكس هذه الجهود فهمًا أعمق لمعنى إعادة الإعمار، بوصفها فعل مقاومة ثقافية قبل أن تكون عملية هندسية. فإعادة بناء حمّام السمرة تعني حماية الذاكرة، واستعادة مساحة اجتماعية شكّلت جزءًا من الحياة اليومية في غزة لقرون طويلة.


خلاصة المشهد

 

لا يروي حمّام السمرة قصة مبنى أثري فقط، بل يحكي تاريخ مدينة وهوية شعب. بين الدمار ومحاولات الإحياء، يتحول المشروع إلى رسالة مفادها أن الحفاظ على التراث فعل صمود، وأن إعادة بناء الحجر تعني إعادة وصل الحاضر بالماضي، في وجه محاولات الطمس والاقتلاع.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260212-gaza-efforts-underway-to-rebuild-900-year-old-bathhouse/